الصفحة الرئيسية  متفرّقات

متفرّقات تزامُنا مع اليوم العالمي للغة العربية: نص بعنوان "في عشق لُغة الضّاد" بقلم الطالبة ليندا التيس

نشر في  16 ديسمبر 2019  (12:22)

تزامُنا مع موعد اليوم العالمي للغة العربية، وصلنا من الطالبة ليندا التيس مقال في شكل خاطرة بعنوان "في عشق لُغة الضّاد"، نعرضه على قرائنا الكرام:

"أحرُف لُغتي هي ساكِنتي و أُردّدها في أغنيتي.." كلماتٌ ألفناها و ردّدناها حينما كُنّا صغارًا.. لا أدري في أيّ صفّ كنّا آنذاك -رُبّما الصّف الثاني أو الثّالث- لكن ما أدريه حقّا هو أنّنا كُنّا نُردّدُ هاته العبارات بحمية و حماسٍ كبيريْن!

لم نكُ نعلمُ ما تعنيه كلمة "ساكنتي" لكنّنا كنّا نصدحُ بها كما لامست آذاننا و كما سمعناها ممّن سبقنا أو سابقنا في الفهم و الادراك. كبرنا و مشى بنا العمرُ بضع أشواطٍ.. أدركنا خلالها معنى ساكنتي و معنى العديد من المفردات الأخرى، عن نفسي، أصبح لديّ دفترٌ أركنُ اليه كلّ مساء على الساعة العاشرة، في زاوية من زوايا غرفتي، ولا أخفيكم سرّا أنّ هذه الزاوية هي بطُول متر واحد و عُرض لا يتجاوز العشرين سنتمتر! و في الأصل هي مقبعي الّذي أطرح فيه بطّانيتي و أنامُ فيه و أدرسُ فيه و أفرح و أترحُ فيه! لم يكُن لي من ضيق المكان مُتّسعٌ غير هذا الرّكن!

كانت الغرفة أشبه بالمهجع، فقد حملتني واخواتي التّسع و ارتكننا فيها حامدين الله على ما أنعم به علينا من ستر! فوالدي فلّاحٌ بسيطٌ يحرث و يغرس و يجمع الزيتون و العنب و التين و ليس لهُ من معاش غير ما تدرّهُ الأرض من نعمٍ!

و أمّي امرأةٌ أمّيّة و أميمةٌ تزوجت أبي في عمر ضئيل و هو الّذي يكبرها بربع قرنٍ، فلم يمتهن أبي في حياته غير الفلاحة، و في كلّ عام، عندما يحينُ الموسم السنوي لجني الزيتون، تضعُ أمّي طفلًا، و ترفعُ كفّيها الى أعالي السماء راجيةً من الله أن يكون الوليد تقيّا مُباركًا كشجرة الزيتون تمامَا، و رغم عمل أبي المتواضع إلّا أنّه كان محبّا للقراءة و المطالعة، ينغمس وقت راحته بين كُتب الفقه و أحاديث البيان و سور القرآن و يسعى الى حفظها و تفسيرها و ابلاغها الينا حيْثُ نجتمع خماستيْن حوْلهُ و نتناقلُ مانسمعه من أبي.

و لعلّني أنا وحدي من توارثتُ عن والدي هذه الخصلة الرّفيعة، لذلك فإنّني دائمًا ما أرى عينهُ ترمقني و كأنّني "عُروتهُ الوُثقى" و حصنهُ المنيع.

سأرجعُ بكم الآن خطُواتٍ الى الوراء، حيثُ زاويتي و بطّانيتي و دفتري، كُنتُ أستغلّ المصروف الشهريّ الذي يمدّني به والدي من معاشه القليل لأقتني الكُتُب و الروايات، فتراني مهتمّة متمحّصة في جلّ، ان لم يكُن كلّ، الفئات من الأدب: الأدب النقدي و الرواية و الشعر و النّثر و الأدب التّاريخي و الأدب المُعاصر و القصص و الأقاصيص..

وتراني أُلمُّ بما استعصيتُه من المرادفات من ثَمّ أسعى لتفسيرها سعيَ الظّمآن في غياهب الصّحراء لنبعٍ يرويه و يمّحي به ظمأهُ، ثُمّ أُدوّنُ ما أدركتهُ من معاني بين طيّات دفتري الّذي خُصّص لذلك، و ترى الأوراق البيضاء الناصعة الطاهرة كأنها غيَمٌ و قد ملأت جنباتها الكلمات و المُرادفات باللغة العربيّة الفُصحى، و كأنّ الكلمات حبّاتٌ من المطر تتلألأ تحت أشعة الشمس، و بالتّالي يتشكّلُ مشهدٌ سرياليٌّ لغيماتٍ نمت و تكوّنت بفضل قطرات المطر.

أدركتُ مُرادف "ساكنتي"، الّا أنّ هذا المُرادف لم يُشفِ عشقي للّغة العربية، فهي ساكنتي و سكني و مُستكاني وسكينتي وسكّيني وسُكوتي؛ هي ساكنتي لأنّها سكنتني منذ نعومة الأظافر و ابتسام الثّغر و غفوة المهد، و هي سكني لأنّني أسكنُها كلّما اتّسع العالمُ داخلي أو ضاق ، تجدُها تمدُّ اليّ ذراعيْها بكتابٍ أو روايةٍ أو نصّ مسرحيّ أروّحُ به عن نفسي، و هي مستكاني و طُمأنينتي لحظة الجزع ، و سكينتي في هلعي، و سكّيني الّذي أحتمي به من ظُلمات الجهل المُفزع، هي سكوتي لأنّ السّكوت في حرم الجمال كلامٌ.

و لأنّ العظمة صفةٌ خالدةٌ، و لأنّ كلّ ماهو عظيمٌ لا ينبثقُ من صلبه الّا عظيمًا، فاللغة العربيّة هي أمُّ العظائم و أصلُ كلُّ ما كان عاليَ المقام، و في آيات الله المُحكمات "قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" و في الأناشيد الوطنيّة للدُّول العربية ترانا طوابير مصطفّةً كأنّنا عيدانُ ثقاب، و لعلّك تتساءلُ هل من تشابهٍ بيْننا و بين عيدان الثّقاب ؟ عيدانُ الثقاب اذا لمستها نيرانْ فإنّ مُقدّمة رؤوسها تشتعلُ و تنضرمُ!

أمّا نحنُ فتنزلُ كلمات النشيد الوطنيُّ على أفئدتنا فتتّقدُ نيران الإباء و الكرامة و "يَا نَارًا كُونِي بَرْدًا وَ سَلَامًا" و ترى هاماتنا شامخاتٍ شموخ الصقر فوق قمّة الجبل. و في المسَاجد تُقامُ الصلوات و الخطبُ و الدّروس الفقهيةُ و الدّينية باللّغة العربية الفصحى، فلا يتكلّمُ الامام و لا يتفوُّهُ الصّبيُ الّا فَصيحًا، و هناك في الكنائس الكاثوليكية و الأرثوذكسية ، عند مُجسّد مريم العذراء تحملُ ابنها يسوع المسيح بين ذراعيْها تغدقه بنظرات الحنان و العطف، يصطفُّ أنَاسٌ يُردّدون ترانيم على ايقاعٍ سمفونيّ بطيء ينتقل بك الى عالم ميتافيزيقيّ على نغم "اكليلٌ مِن شَوْكٍ وُضِع على هَامَة مَلِكِ المَلَائكَة" فاللغة العربية يا اخوتي هي عالمٌ تتجلّى فيه مساحة الأرض، و ليست الأرضُ مكانا تتجلى فيه اللغة العربية، عالمٌ تتجمّع فيه جميع الطوائف و الأعراق و الأقلّيات و الكُثر.

و الضّادُ حرفٌ عربيٌّ بامتياز! و الضّاد في العربية يُنطق بمدّ اللسان و تحديبه للفوق قليلًا ثُمّ تفخيم الصّوت فيتجلّى من حرف الضّاد كلّ معاني الإجلال و العظمة و كأنّك في نطقك لهُ قد أجزت كلّ حرُوف اللغة و لخّصت نُطقها .

"فَمَا لبَصَرِي هُيامٌ وَ عِشقٌ لِغيْر لُغة الضَّاد.. و ما دُون لُغة الضَّاد ليْس الّا زوالًا".

بقلم ليندا التيس